عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

65

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

فالسعادة والشقاوة إنما هما باعتبار الطريق الذي يكون فيه الوصول إلى اللّه تعالى ، وإلا فسائر النوع الإنساني ، من حيث الذات الإلهية وصفاتها ، خلفاء الكمال ، متصفون بأنواع الجمال والجلال . ومن ثم قيل : ( من سبقت له العناية ، لم تضره الجناية ) . يعني : أن النوع الإنساني المسبوق له بالعناية المشار إليها في قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] ، وقوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] ، وقوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] - لم تضره الجنايات ، التي يتعذب بها في طريق وصوله ، الذي خلقه اللّه تعالى مجبولا عليه . فإذا وصل ، لم يجد ، لما مضى من التعب ، ألما . قال الشاعر شعرا : إن التجار إذا عادوا وقد ربحوا * أنساهم الربح ما عياهم السفر « 1 » آفة هذا المنظر : ذلك الذهاب والرجوع ، فإنه ما خرج منه حتى يدخل إليه ، ولا انفصل عنه حتى يتصل ، ولا مضى حتى يرجع . فرجوعه إنما هو إلى نفسه ، وذهابه إنما هو فيها ، ووصله إنما هو بذات نفسه . والكمال منزّه عن مقتضيات هذه المعاني جميعها ، فلا تحصل هذه الأشياء إلا عن حجاب ، وترفعه العناية الإلهية لمن أهّله اللّه تعالى للكمال ، فيترقى عنها . * * * منظر ( المملكة ) لهذا المنظر خاصية عجيبة ، لازمة لكل من جعل في هذا المشهد : أن يدير بذاته العوالم بأسرها ، فتدور الأفلاك بأنفاسه ، وتجري الأمور على قدر قياسه ، وتقع الواقعات ، وتحدث الحوادث ، ويصعد الطالع ، ويهبط النازل ، ويكمل الناقص ، وينقص الكامل ، وتختلج الذرات ، وتهب الذاريات - بتصريف للّه ، منسوب إلى ذات هذا الولي ، الذي تجلى اللّه عليه في منظر المملكة ، فبقي أثر ذلك التجلي عليه :

--> ( 1 ) هذا البيت هو للشاعر المملوكي محمد بن حمير جمال الدين ، شاعر اليمن في عصره ، مات في زبيد سنة 651 ه والبيت من البحر البسيط وهو : إن البسيط لديه يبسط الأمل * مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن